تحريم آلات الطرب
أو الرد بالوحيين وأقوال أئمتنا
على
ابن حزم ومقلديه المبيحين للمعازف والغنا
وعلى
الصوفيين الذين اتخذوه قربة ودينا
بقلم
محمد ناصر الدين الألباني
مكتبة الدليل
ط 1 - 1416 هـ
المقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد ، فقد كنت وقفت سنة ( 1373 ه ) في مجلة " الإخوان المسلمون " المصرية ، العدد ( 11 ) بتاريخ ( 29 ) ذي العقدة من السنة المذكورة على استفتاء حول الموسيقى والغناء نصه:
" أنا شاب مسلم ، وأقوم بشعائر الدين ( ومخلصٌ جداً ) ، ولكن هناك شيء يستولي على نفسي ، وهو حب الموسيقى والغناء ، بالرغم أني أحفظ القراّن الكريم ، فهل هذه الهواية حرام ؟ " .
فأجاب فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بما نصه:
" بالنسبة للغناء إذا لم يكن فيه ما يثير الغريزة الجنسية فإننا لا نجد موجباً لتحريمه ، وإنَّ العرب كانوا يرجزون ويغنون ويضربون بالدف ، وورد في بعض الآثار الدعوة إلى الضرب بالدف في الزواج ، وقيل: ( فرق ما بين الحلال والحرام الدف ) ، ومثل ذلك الموسيقى . ونجد أنه لما دخل الغناء الفارسي بالألحان في عهد التابعين كانوا فريقين فريقاً يميل إلى الاستماع ولا يجد فيه ما يمس الدين كالحسن البصري
وفريقاً لا يميل إليه ويجده منافياً للزهادة والورع كالشعبي
وعلى أي حال ، فإنه من المتفق عليه أنه ما دام لا يثير الغريزة الجنسية ، ولا يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، فليس فيه ما يمس الدين " !
قلت: وقد كنت كتبت وقتئذٍ رداً على هذه الفتوى لمخالفتها للأحاديث الصحيحة ومذهب جمهور العلماء ، وأرسلتها إلى المجلة ، ولكن حال دون نشره فيما يبدو تعطيل المجلة في عهد عبد الناصر ، ومنعها من الصدور .
وفي هذه الفتوى على اختصارها من الأخطاء والأوهام المختلفة ما كنت أتصور أن الشيخ أكبر من أن يقع في مثلها ! فلا بد لي من بيانها مع الاختصار قدر الإمكان ، إلا فيما له صلة تامة بموضوع الرسالة فأقول:
الأغاني والموسيقى:
1 الموجب لتحريم الغناء الأحاديث الصحيحة الثابتة في كتب السنة كما سيأتي بيانها مخرجة مصححة من العلماء في هذه الرسالة ، فهل الشيخ وهو من كبار علماء الأزهر يجهلها ، أم هو يتجاهلها كبعض تلامذته كما سيأتي ؟ أحلاهما مر !
2 إن القيد الذي شرعه من عنده: أن لا يثير الغريزة الجنسية ، وقد قلَّده فيه بعض تلامذته كالشيخ القرضاوي والغزالي وغيرهما ، فقال الأول كما سيأتي نقله عنه في هذه المقدمة ، مفصحاً: " ولا بأس بأن تصحبه الموسيقى غير المثيرة " يعني الغناء!
فأقول: هذا القيد نظري غير عملي ، ولا يمكن ضبطه ، لأن ما يثير الغريزة يختلف باختلاف الأمزجة ذكورة وأنوثة ، شيخوخة وفتوة ، وحرارة وبرودة ، كما لا يخفى على اللبيب .
وإني والله لأتعجب أشد العجب من تتابع هؤلاء الشيوخ الأزهريين على هذا القيد النظري ، فإنهم مع مخالفتهم للأحاديث الصحيحة ، ومعارضتهم لمذاهب الأئمة الأربعة وأقوال السلف يختلقون عللاً من عند أنفسهم لم يقل بها أحد من الأئمة المتبوعين ، ومن آثارها استباحة ما يحرم من الغناء والموسيقى عندهم أيضاً ، ولنضرب على ذلك مثلاً ، قد يكون لأحدهم زوجة وبنون وبنات ، كالشيخ الغزالي مثلاً الذي يصرح وقد يتباهى ! بأنه يستمع لأم كلثوم ومحمد بن عبد الوهاب الموسيقار ( ! ) وأضرابهما ، فيراه أولاده بل وربما تلامذته ، كما حكى ذلك هو في بعض كتاباته ، فهل هؤلاء يستطيعون أن يميزوا بعلمهم ومراهقتهم بين الموسيقى المثيرة فيصمّون آذانهم عنها ، وإلا استمروا في الاستماع إليها ! تالله إنه لفقه لا يصدر إلا من ظاهري جامد بغيض ، أو صاحب هوى غير رشيد .
لقد ذكّرني هذا بتفريق المذهب الحنفي بين الخمر المتخذ من العنب ، فهو حرام كله ، لا فرق بين قليله وكثيره ، وبين الخمر المتخذ من غير العنب كالتمر ونحوه ؛ فلا يحرم منه عندهم إلا الكثير المسكر !
أما كيف التفريق عملياً بين القليل غير المسكر فيه ، والكثير المسكر ، وإن أمكن ذلك فمتى ؟ أقبل تعاطيه ؟ ! أم بعد أن يسكر ؟ ! فهذا مما سكتوا عنه ، وتركوا الأمر للشارب ! كما فعل مثل ذلك الشيوخ المشار إليهم من التفريق بين الموسيقى المثيرة المحرّمة ، والموسيقى غير المثيرة المباحة !! فهل يقول بهذا من يؤمن بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: " . . ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " . وقوله صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنَّة ، التي عليها قامت قاعدة " سد الذريعة " ، والتي تعتبر من كمال الشريعة ، وأشاد بها الشيخ القرضاوي نفسه ، في مقدمة كتابه " الحلال والحرام " ؟ ! وضرب لها ابن القيم عشرات الأمثلة من الكتاب والسنَّة ، فراجعها فإنها هامة .
وأسوأ من هذا التفريق وذاك ، ما كنت قرأته في نشرة لحزب إسلامي معروف أنه يجوز للرجل أن يقبِّل المرأة الأجنبية عند السلام عليها ، وليس مصافحتها فقط ، بل وتقبيلها أيضاً ، قالوا: ولكن بنيَّة طيبة وبغير شهوة !!
فأعرض هؤلاء جميعاً عن تطبيق تلك القاعدة العظيمة المدعمة بعشرات الأدلة ، مع إعراضهم عن الأدلة العامة كما لا يخفى ، بل خالفوا مثالاً آخر لم يذكره ابن القيِّم ، وفيه رد عليهم في الصحيح ، هؤلاء في استباحتهم تقبيل الأجنبيات ومصافحتهن ، وأولئك في الاستماع لأغانيهن ، كالغزالي مع أم كلثوم ! واعتبر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم نوعاً من الزنا ، فقال:
" كُتبَ على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة:
فالعينان زناهما النَّظر .
والأذنان زناهما الاستماع .
واللسان زناه الكلام .
واليدان زناهما البطش ، ( وفي رواية اللمس ) .
والرِّجل زناها الخُطا .
[ والفم زناه القُبَل ] .
والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفَرْجُ ويكذِّبه " .
رواه مسلم وغيره .
قلت: فتبين مما تقدم بطلان تقييد الشيخ ( أبو زهرة ) ومن قلَّده الموسيقى والغناء المحرم بما يثير الغريزة الجنسية ، وأن الصواب تحريم ذلك مطلقاً ، لإطلاق الأحاديث الآتية ، ولقاعدة سد الذريعة .
ونحوه في البطلان ما يأتي .
3 قوله: " وأنّ العرب كانوا يرجزون ويغنون ويضربون بالدف " !
فأقول: هذا باطل من وجوه يأتي بيانها ، ومن الواضح أنه يريد ب ( العرب ) السلف ، وحينئذ فتعبيره عنهم بهذا اللفظ تعبير قومي عصري جاهلي ، يستغرب جداً صدوره من شيخ أزهري ! فأقول:
الوجه الأول:
أنه كلام مرتجل لا سنام له ولا خطام ، لم يقله عالم من قبل ، فليضرب به عرض الحائط .
الثاني: أنه إذا كان يعني به خاصتهم وعلماءهم كما هو مفروض فيه فهو باطل ، فإن المنقول عنهم خلاف ذلك .
والشيخ غفر الله له ، كأنه حين يكتب لا يكون عنده خلفية علمية ، أو على الأقل لا يراجع كتاباً من الكتب الفقهية ، أو بحثاً خاصاً فيها لأحد محققي الأمة ، كابن تيمية ، وابن قيم الجوزية ، شأنه في ذلك شأن تلميذه الغزالي وأمثاله ، وإلا فأين هو من قول ابن مسعود رضي الله عنه: " الغناء ينبت النفاق في القلب " ، وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحيح موقوف كما قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ( 1 / 248 ) ولذلك خرجته في " الضعيفة " ( 2430 ) ، ومن قول ابن عباس رضي الله عنه: " الدف حرام ، والمعازف حرام . . " وسيأتي ( ص 92 ) ومما ذكره أبو بكر الخلال في كتاب " الأمر بالمعروف " ( ص 27 ) : " ويروى عن الحسن قال: ليس الدفوف من أمر المسلمين في شيء ، وأصحاب عبد الله كانوا يشققونها " ، إلى غير ذلك مما هو مذكور في موضعه . وانظر ( ص 102 103 ) .
الثالث: أن الذين كانوا يضربون بالدف ، إنما هم النساء لا الرجال ، وبمناسبة الزفاف ، وفي ذلك أحاديث كنت ذكرتها في كتابي " آداب الزفاف " ( ص 179 183 ) ، أو بمناسبة العيد كما في حديث عائشة الآتي في آخر هذه الرسالة ، ولهذا قال الحَلِيمي ، كما في " شعب الإيمان " ( 4 / 283 ) :
" وضرب الدف لا يحل إلا للنساء لأنه في الأصل من أعمالهن وقد لعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء " .
4 قوله: " وورد في بعض الآثار . . " إلخ: تعبير غير دقيق ، فإنه يعني ب " الآثار " الأحاديث التي أشرت إليها آنفاً ، وأسوأ منه قوله عقبه: " وقيل: ( فرق ما بين الحلال والحرام الدف ) " ؛ فإنَّ " قيل " من صيغ التمريض عند العلماء ، وهو إنما يقال في كلام البشر ، وهذا حديث نبوي معروف ، فإن كان يريد بقوله المذكور تضعيفه ، فقد أخطأ مرتين؛ رواية واصطلاحاً ؛ أما روايةً فالحديث حسن كما قال الترمذي ، وصححه الحاكم والذهبي ، وهو مخرج في المصدر المتقدم وفي " الإرواء " ( 7 / 50 51 ) ، وأما اصطلاحاً ، فإنه إنما يقال في الحديث الضعيف: " روي " ، وليس " قيل " .
وثمة خطأ آخر ، وهو قوله في الحديث: " فرق " وإنما هو عندهم بلفظ: " فصل " .
فتأمل كم في كلام هذا الشيخ الأزهري من جهل بالحديث ومصطلحه ، فلا عجب من تلميذه الغزالي أن


























